فصل: تفسير الآيات رقم (1- 7)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 77‏]‏

‏{‏وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ‏(‏71‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ‏(‏72‏)‏ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ‏(‏73‏)‏ وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ‏(‏74‏)‏ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏75‏)‏ وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ‏(‏76‏)‏ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏77‏)‏‏}‏

قد تقدّم أن لوطاً هو ابن أخي إبراهيم، فحكى الله سبحانه ها هنا أنه نجى إبراهيم ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين‏.‏ قال المفسرون‏:‏ وهي أرض الشام، وكانا بالعراق وسماها سبحانه مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء؛ وأصل البركة‏:‏ ثبوت الخير، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح‏.‏ وقيل‏:‏ الأرض المباركة‏:‏ مكة، وقيل‏:‏ بيت المقدس، لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء، وهي أيضاً كثيرة الخصب، وقد تقدّم تفسير العالمين‏.‏ ثم قال سبحانه ممتناً على إبراهيم ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً‏}‏ النافلة‏:‏ الزيادة، وكان إبراهيم قد سأل الله سبحانه أن يهب له ولداً، فوهب له إسحاق، ثم وهب لإسحاق يعقوب من غير دعاء، فكان ذلك نافلة، أي زيادة؛ وقيل‏:‏ المراد بالنافلة هنا‏:‏ العطية، قاله الزجاج‏.‏ وقيل‏:‏ النافلة هنا‏:‏ ولد الولد، لأنه زيادة على الولد، وانتصاب ‏{‏نافلة‏}‏ على الحال‏.‏ قال الفراء‏:‏ النافلة‏:‏ يعقوب خاصة، لأنه ولد الولد ‏{‏وَكُلاًّ جَعَلْنَا صالحين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 72‏]‏ أي وكل واحد من هؤلاء الأربعة‏:‏ إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب، لا بعضهم دون بعض جعلناه صالحاً عاملاً بطاعة الله تاركاً لمعاصيه‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالصلاح هنا‏:‏ النبوّة‏.‏

‏{‏وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا‏}‏ أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات، ومعنى ‏{‏بأمرنا‏}‏ بأمرنا لهم بذلك، أي بما أنزلنا عليهم من الوحي ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات‏}‏ أي أن يفعلوا الطاعات‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالخيرات‏:‏ شرائع النبوّات ‏{‏وَكَانُواْ لَنَا عابدين‏}‏ أي كانوا لنا خاصة دون غيرنا مطيعين، فاعلين لما نأمرهم به، تاركين ما ننهاهم عنه‏.‏ ‏{‏وَلُوطاً آتيناه حُكْماً وَعِلْماً‏}‏ انتصاب ‏{‏لوطاً‏}‏ بفعل مضمر دلّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏آتيناه‏}‏ أي وآتينا لوطاً آتيناه‏.‏ وقيل‏:‏ بنفس الفعل المذكور بعده‏.‏ وقيل‏:‏ بمحذوف هو‏:‏ اذكر، والحكم‏:‏ النبوّة‏.‏ والعلم‏:‏ المعرفة بأمر الدين‏.‏ وقيل‏:‏ الحكم‏:‏ هو فصل الخصومات بالحق‏.‏ وقيل‏:‏ هو الفهم‏.‏ ‏{‏ونجيناه مِنَ القرية التي كَانَت تَّعْمَلُ الخبائث‏}‏ القرية هي سدوم كما تقدّم، ومعنى ‏{‏تعمل الخبائث‏}‏‏:‏ يعمل أهلها الخبائث، فوصفت القرية بوصف أهلها، والخبائث التي كانوا يعملونها هي اللواطة والضراط وخذف الحصى كما سيأتي، ثم علل سبحانه ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فاسقين‏}‏ أي خارجين عن طاعة الله‏.‏ والفسوق‏:‏ الخروج كما تقدّم‏.‏

‏{‏وأدخلناه فِي رَحْمَتِنَا‏}‏ بإنجائنا إياه من القوم المذكورين، ومعنى في ‏{‏رحمتنا‏}‏‏:‏ في أهل رحمتنا‏.‏ وقيل‏:‏ في النبوّة‏.‏ وقيل‏:‏ في الإسلام‏.‏ وقيل‏:‏ في الجنة ‏{‏إِنَّهُ مِنَ الصالحين‏}‏ الذين سبقت لهم منّا الحسنى‏.‏ ‏{‏وَنُوحاً إِذْ نادى‏}‏ أي واذكر نوحاً إذ نادى ربه ‏{‏مِن قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ من قبل هؤلاء الأنبياء المذكورين ‏{‏فاستجبنا لَهُ‏}‏ دعاءه ‏{‏فنجيناه وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم‏}‏ أي من الغرق بالطوفان، والكرب‏:‏ الغمّ الشديد، والمراد بأهله‏:‏ المؤمنون منهم‏.‏

‏{‏ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا‏}‏ أي نصرناه نصراً مستتبعاً للانتقام من القوم المذكورين‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى منعناه من القوم‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ من بمعنى على، ثم علل سبحانه ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فأغرقناهم أَجْمَعِينَ‏}‏ أي لم نترك منهم أحداً، بل أغرقنا كبيرهم وصغيرهم بسبب إصرارهم على الذنب‏.‏

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب في قوله‏:‏ ‏{‏إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ قال‏:‏ الشام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مالك نحوه‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ لوط كان ابن أخي إبراهيم‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق‏}‏ قال‏:‏ ولداً ‏{‏وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً‏}‏ قال‏:‏ ابن الابن‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم نحوه أيضاً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق‏}‏ قال‏:‏ أعطيناه ‏{‏وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً‏}‏ قال‏:‏ عطية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78- 88‏]‏

‏{‏وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ‏(‏78‏)‏ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ‏(‏79‏)‏ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ‏(‏80‏)‏ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ‏(‏81‏)‏ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ‏(‏82‏)‏ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏83‏)‏ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ‏(‏84‏)‏ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ‏(‏85‏)‏ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏86‏)‏ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏87‏)‏ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏88‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏*وداود‏}‏ معطوف على ‏{‏نوحاً‏}‏ ومعمول لعامله المذكور، أو المقدّر كما مرّ ‏{‏وسليمان‏}‏ معطوف على داود، والظرف في ‏{‏إِذْ يَحْكُمَانِ‏}‏ متعلق بما عمل في داود، أي واذكرهما وقت حكمهما‏.‏ والمراد من ذكرهما ذكر خبرهما‏.‏ ومعنى ‏{‏فِي الحرث‏}‏‏:‏ في شأن الحرث‏.‏ قيل‏:‏ كان زرعاً‏.‏ وقيل‏:‏ كرماً، واسم الحرث يطلق عليهما ‏{‏إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ تفرقت وانتشرت فيه ‏{‏غَنَمُ القوم‏}‏ قال ابن السكيت‏:‏ النفش بالتحريك أن تنتشر الغنم بالليل من غير راعِ ‏{‏وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين‏}‏ أي لحكم الحاكمين، وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين، وهو مذهب طائفة من أهل العربية كالزمخشري والرضيّ، وتقدّمهما إلى القول به الفراء‏.‏ وقيل‏:‏ المراد‏:‏ الحاكمان والمحكوم عليه‏.‏ ومعنى ‏{‏شاهدين‏}‏‏:‏ حاضرين، والجملة اعتراضية‏.‏ وجملة ‏{‏ففهمناها سليمان‏}‏ معطوفة على ‏{‏إذ يحكمان‏}‏ لأنه في حكم الماضي، والضمير في ‏{‏ففهمناها‏}‏، يعود إلى القضية المفهومة من الكلام، أو الحكومة المدلول عليها بذكر الحكم‏.‏ قال المفسرون‏:‏ دخل رجلان على داود، وعنده ابنه سليمان، أحدهما‏:‏ صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث‏:‏ إن هذا انفلتت غنمه ليلاً فوقعت في حرثي فلم تبق منه شيئاً، فقال‏:‏ لك رقاب الغنم، فقال سليمان‏:‏ أو غير ذلك، ينطلق أصحاب الكرم بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم، فقال داود‏:‏ القضاء ما قضيت، وحكم بذلك‏.‏ قال النحاس‏:‏ إنما قضى داود بالغنم لصاحب الحرث لأن ثمنها كانا قريباً منه، وأما في حكم سليمان فقد قيل‏:‏ كانت قيمة ما نال من الغنم، وقيمة ما أفسدت الغنم سواء‏.‏ قال جماعة من العلماء‏:‏ إن داود حكم بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، فيكون التفهيم على هذا بطريق الوحي‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ إن حكمهما كان باجتهاد، وكلام أهل العلم في حكم اجتهاد الأنبياء معروف، وهكذا ما ذكره أهل العلم في اختلاف المجتهدين، وهل كل مجتهد مصيب، أو الحق مع واحد‏؟‏ وقد استدل المستدلون بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب، ولا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطئ، وأما كون كل واحد منهما مصيباً، فلا تدلّ عليه هذه الآية ولا غيرها، بل صرّح الحديث المتفق عليه في الصحيحين وغيرهما أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر، فسماه النبيّ صلى الله عليه وسلم مخطئاً، فكيف يقال إنه مصيب لحكم الله موافق له، فإن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين، وإلا لزم توقف حكمه عزّ وجلّ على اجتهادات المجتهدين، واللازم باطل فالملزوم مثله‏.‏

وأيضاً يستلزم أن تكون العين التي اختلف اجتهاد المجتهدين فيها بالحلّ والحرمة حلالاً حراماً في حكم الله سبحانه‏.‏ وهذا اللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله‏.‏ وأيضاً يلزم أن حكم الله سبحانه لا يزال يتجدد عند وجود كل مجتهد له اجتهاد في تلك الحادثة، ولا ينقطع ما يريده الله سبحانه فيها إلا بانقطاع المجتهدين واللازم باطل فالملزوم مثله‏.‏ وقد أوضحنا هذه المسألة بما لا مزيد عليه في المؤلف الذي سميناه «القول المفيد في حكم التقليد» وفي «أدب الطلب ومنتهى الأرب» فمن أحبّ الوقوف على تحقيق الحق فليرجع إليهما‏.‏

فإن قلت‏:‏ فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية، والملة الإسلامية‏؟‏ قلت‏:‏ قد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها، وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عيناً أو قيمة‏.‏ وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث‏.‏ وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخلوا فسادها في عموم قول النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ جرح العجماء جبار ‏"‏ قياساً لجميع أفعالها على جرحها‏.‏ ويجاب عنه بأن هذا القياس فاسد الاعتبار، لأنه في مقابلة النص، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يضمن ربّ الماشية ما أفسدته من غير فرق بين الليل والنهار‏.‏ ويجاب عنه بحديث البراء‏.‏

ومما يدل على أن هذين الحكمين من داود وسليمان كانا بوحي من الله سبحانه لا باجتهاد‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً‏}‏ فإن الله سبحانه أخبرنا بأنه أعطى كل واحد منهما هذين الأمرين، وهما إن كانا خاصين فصدقهما على هذه القضية التي حكاها الله سبحانه عنهما مقدّم على صدقهما على غيرها، وإن كانا عامين فهذا الفرد من الحكم والعلم، وهو ما وقع من كل واحد منهما في هذه القضية أحق أفراد ذلك العام بدخوله تحته ودلالته عليه، ومما يستفاد من ذلك دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان بالتفهيم، من عدم كون حكم داود حكماً شرعياً، أي وكل واحد منهما أعطيناه حكماً وعلماً كثيراً، لا سليمان وحده‏.‏ ولما مدح داود وسليمان على سبيل الاشتراك، ذكر ما يختص بكل واحد منهما، فبدأ بداود فقال‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدُ الجبال يُسَبّحْنَ‏}‏ التسبيح إما حقيقة أو مجاز، وقد قال بالأوّل جماعة وهو الظاهر‏.‏ وذلك أن داود كان إذا سبح سبحت الجبال معه‏.‏ وقيل‏:‏ إنها كانت تصلي معه إذا صلى، وهو معنى التسبيح‏.‏ وقال بالمجاز جماعة آخرون وحملوا التسبيح على تسبيح من رآها تعجباً من عظيم خلقها وقدرة خالقها‏.‏

وقيل‏:‏ كانت الجبال تسير مع داود، فكان من رآها سائرة معه سبح ‏{‏والطير‏}‏ معطوف على الجبال، وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف، أي والطير مسخرات، ولا يصح العطف على الضمير في ‏{‏يسبحن‏}‏ لعدم التأكيد والفصل ‏{‏وَكُنَّا فاعلين‏}‏ يعني ما ذكر من التفهيم، وإيتاء الحكم والتسخير ‏{‏وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ‏}‏ اللبوس عند العرب‏:‏ السلاح كله درعاً كان أو جوشناً، أو سيفاً، أو رمحاً‏.‏ قال الهذلي‏:‏

وعندي لبوس في اللباس كأنه *** والمراد في الآية الدروع خاصة، وهو بمعنى الملبوس، كالركوب والحلوب، والجار والمجرور أعني لكم متعلق بعلمنا ‏{‏لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ‏}‏ قرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح ‏{‏لتحصنكم‏}‏ بالتاء الفوقية، بإرجاع الضمير إلى الصنعة، أو إلى اللبوس بتأويل الدرع‏.‏ وقرأ شيبة وأبو بكر والمفضل وابن أبي إسحاق «لنحصنكم» بالنون بإرجاع الضمير إليه سبحانه‏.‏ وقرأ الباقون بالياء بإرجاع الضمير إلى اللبوس، أو إلى داود، أو إلى الله سبحانه‏.‏ ومعنى ‏{‏مّن بَأْسِكُمْ‏}‏‏:‏ من حربكم، أو من وقع السلاح فيكم ‏{‏فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون‏}‏ لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم، والاستفهام في معنى الأمر‏.‏

ثم ذكر سبحانه ما خص به سليمان‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏ولسليمان الريح‏}‏ أي وسخرنا له الريح ‏{‏عَاصِفَةً‏}‏ أي شديدة الهبوب‏.‏ يقال‏:‏ عصفت الريح، أي اشتدت، فهي ريح عاصف وعصوف، وانتصاب ‏{‏الريح‏}‏ على الحال‏.‏ وقرأ عبد الرحمن الأعرج والسلمي وأبو بكر ‏{‏ولسليمان الريح‏}‏ برفع الريح على القطع مما قبله، ويكون مبتدأ وخبره تجري، وأما على قراءة النصب فيكون محل ‏{‏تَجْرِي بِأَمْرِهِ‏}‏ النصب أيضاً على الحالية، أو على البدلية ‏{‏إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ وهي أرض الشام كما تقدّم ‏{‏وَكُنَّا بِكُلّ شَيْء عالمين‏}‏ أي بتدبير كلّ شيء ‏{‏وَمِنَ الشياطين‏}‏ أي وسخرنا من الشياطين ‏{‏مَن يَغُوصُونَ لَهُ‏}‏ في البحار ويستخرجون منها ما يطلبه منهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن «من» مبتدأ وخبره ما قبله، والغوص‏:‏ النزول تحت الماء، يقال‏:‏ غاص في الماء، والغوّاص‏:‏ الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ ‏{‏وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك‏}‏ قال الفراء‏:‏ أي سوى ذلك، وقيل‏:‏ يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما يسخرهم فيه ‏{‏وَكُنَّا لَهُمْ حافظين‏}‏ أي لأعمالهم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ حافظين لهم من أن يهربوا أو يتمنعوا، أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره‏.‏ قال الزجاج‏:‏ كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار‏.‏

‏{‏وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ‏}‏ معطوف على ما قبله، والعامل فيه‏:‏ إما المذكور أو المقدّر كما مرّ، والعامل في الظرف وهو ‏{‏إذ نادى ربه‏}‏ هو العامل في أيوب ‏{‏أَنّي مَسَّنِيَ الضر‏}‏ أي بأني مسني الضرّ‏.‏

وقرئ بكسر «إني»‏.‏

واختلف في الضرّ الذي نزل به ماذا هو‏؟‏ فقيل‏:‏ إنه قام ليصلي فلم يقدر على النهوض‏.‏ وقيل‏:‏ إنه أقرّ بالعجز، فلا يكون ذلك منافياً للصبر‏.‏ وقيل‏:‏ انقطع الوحي عنه أربعين يوماً‏.‏ وقيل‏:‏ إن دودة سقطت من لحمه، فأخذها وردّها في موضعها فأكلت منه، فصاح‏:‏ مسني الضرّ؛ وقيل‏:‏ كان الدود تناول بدنه فيصبر حتى تناولت دودة قلبه‏.‏ وقيل‏:‏ إن ضرّه قول إبليس لزوجته‏:‏ اسجدي لي، فخاف ذهاب إيمانها، وقيل‏:‏ إنه تقذره قومه‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالضرّ الشماتة، وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏ ولما نادى ربه متضرّعاً إليه وصفه بغاية الرحمة فقال‏:‏ ‏{‏وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين‏}‏ فأخبر الله سبحانه باستجابته لدعائه، فقال‏:‏ ‏{‏فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ‏}‏ أي شفاه الله مما كان به وأعاضه بما ذهب عليه، ولهذا قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وآتيناه أهله ومثلهم معهم‏}‏ قيل‏:‏ تركهم الله عزّ وجلّ له، وأعطاه مثلهم في الدنيا‏.‏ قال النحاس‏:‏ والإسناد بذلك صحيح، وقد كان مات أهله جميعاً إلا امرأته، فأحياهم الله في أقلّ من طرف البصر، وآتاه مثلهم معهم‏.‏ وقيل‏:‏ كان ذلك بأن ولد له ضعف الذين أماتهم الله، فيكون معنى الآية على هذا‏:‏ آتيناه مثل أهله ومثلهم معهم، وانتصاب ‏{‏رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا‏}‏ على العلة أي آتيناه ذلك لرحمتنا له ‏{‏وذكرى للعابدين‏}‏ أي وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر‏.‏

واختلف في مدّة إقامته على البلاء‏:‏ فقيل‏:‏ سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال‏.‏ وقيل‏:‏ ثلاثين سنة‏.‏ وقيل‏:‏ ثماني عشرة سنة‏.‏

‏{‏وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل‏}‏ أي واذكر هؤلاء، وإدريس هو أخنوخ، وذا الكفل‏:‏ إلياس‏.‏ وقيل‏:‏ يوشع بن نون‏.‏ وقيل‏:‏ زكريا‏.‏ والصحيح أنه رجل من بني إسرائيل كان لا يتورّع عن شيء من المعاصي، فتاب فغفر الله له‏.‏ وقيل‏:‏ إن اليسع لما كبر قال‏:‏ من يتكفل لي بكذا وكذا من خصال الخير حتى أستخلفه‏؟‏ فقال رجل‏:‏ أنا، فاستخلفه وسمي ذا الكفل‏.‏ وقيل‏:‏ كان رجلاً يتكفل بشأن كل إنسان إذا وقع في شيء من المهمات، وقيل غير ذلك‏.‏ وقد ذهب الجمهور إلى أنه ليس بنبيّ‏.‏ وقال جماعة‏:‏ هو نبيّ‏.‏ ثم وصف الله سبحانه هؤلاء بالصبر فقال‏:‏ ‏{‏كُلٌّ مّنَ الصابرين‏}‏ أي كل واحد من هؤلاء من الصابرين على القيام بما كلفهم الله به‏.‏ ‏{‏وأدخلناهم فِى رَحْمَتِنَا‏}‏ أي في الجنة، أو في النبوّة، أو في الخير على عمومه، ثم علل ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين‏}‏ أي‏:‏ الكاملين في الصلاح ‏{‏وَذَا النون‏}‏ أي واذكر ذا النون، وهو يونس بن متى، ولقب ذا النون لابتلاع الحوت له‏.‏ فإن النون من أسماء الحوت، وقيل‏:‏ سمي ذا النون لأنه رأى صبياً مليحاً فقال‏:‏ دسموا نونته، لئلا تصيبه العين‏.‏

وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن نونة الصبيّ هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا سوّدوا ‏{‏إِذ ذَّهَبَ مغاضبا‏}‏ أي اذكر ذا النون وقت ذهابه مغاضباً، أي مراغماً‏.‏ قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير‏:‏ ذهب مغاضباً لربه، واختاره ابن جرير والقتيبي والمهدوي‏.‏ وحكى عن ابن مسعود‏:‏ قال النحاس‏:‏ وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح‏.‏ والمعنى‏:‏ مغاضباً من أجل ربه، كما تقول غضبت لك، أي من أجلك‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ ذهب مغاضباً لقومه، وحكي عن ابن عباس‏.‏ وقالت فرقة منهم الأخفش‏:‏ إنما خرج مغاضباً للملك الذي كان في وقته واسمه حزقيا وقيل‏:‏ لم يغاضب ربه ولا قومه ولا الملك، ولكنه مأخوذ من غضب إذا أنف، وذلك أنه لما وعد قومه بالعذاب وخرج عنهم تابوا وكشف الله عنهم العذاب فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك فخرج عنهم، ومن استعمال الغضب في هذا المعنى قول الشاعر‏:‏

وأغضب أن تهجى تميم بعامر *** أي آنف ‏{‏فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ‏}‏ قرأ الجمهور ‏{‏نقدر‏}‏ بفتح النون وكسر الدال‏.‏

واختلف في معنى الآية على هذه القراءة‏.‏ فقيل‏:‏ معناها‏:‏ أنه وقع في ظنه أن الله تعالى لا يقدر على معاقبته‏.‏ وقد حكي هذا القول عن الحسن وسعيد بن جبير، وهو قول مردود، فإن هذا الظنّ بالله كفر؛ ومثل ذلك لا يقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام‏.‏ وذهب جمهور العلماء أن معناها‏:‏ فظنّ أن لن نضيق عليه، كقوله‏:‏ ‏{‏يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 12‏]‏، أي يضيق، ومنه قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏‏.‏ يقال‏:‏ وقَدَر وقُدِر وقَتَر وقُتِر، أي ضيق‏.‏ وقيل‏:‏ هو من القدر الذي هو القضاء والحكم، أي فظنّ أن لن نقضي عليه العقوبة، قاله قتادة ومجاهد، واختاره الفراء والزجاج، مأخوذ من القدر وهو الحكم دون القدرة والاستطاعة‏.‏ قال أحمد بن يحيى ثعلب‏:‏ هو من التقدير ليس من القدرة، يقال منه‏:‏ قدّر الله لك الخير يقدره قدراً، وأنشد ثعلب‏:‏

فليست عشيات اللوى برواجع *** لنا أبداً ما أروق السلم النضر

ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى *** تباركت ما تقدر مع ذلك الشكر

أي ما تقدره وتقضي به، ومما يؤيد ما قاله هؤلاء قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري‏:‏ «فظنّ أن لن نقدّر» بضم النون وتشديد الدال من التقدير‏.‏ وحكى هذه القراءة الماوردي عن ابن عباس، ويؤيد ذلك أيضاً قراءة عبيد بن عمير وقتادة والأعرج‏:‏ «أن لن يقدّر» بضم الياء والتشديد مبنياً للمفعول، وقرأ يعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن‏:‏ «يقدر» بضم الياء وفتح الدال مخففاً مبنياً للمفعول‏.‏

وقد اختلف العلماء في تأويل الحديث الصحيح في قول الرجل الذي لم يعمل خيراً قط لأهله أن يحرقوه إذا مات، ثم قال‏:‏ فوالله لئن قدّر الله عليّ‏.‏

‏.‏‏.‏ الحديث كما اختلفوا في تأويل هذه الآية، والكلام في هذا يطول وقد ذكرنا ها هنا ما لا يحتاج معه الناظر إلى غيره‏.‏ والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فنادى فِي الظلمات‏}‏ فصيحة أي كان ما كان من التقام الحوت له، فنادى في الظلمات، والمراد بالظلمات‏:‏ ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وكان نداؤه‏:‏ هو قوله‏:‏ ‏{‏أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّي كُنتُ مِنَ الظالمين‏}‏ أي بأن لا إله إلا أنت‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، ومعنى ‏{‏سبحانك‏}‏ تنزيهاً لك من أن يعجزك شيء، إني كنت من الظالمين الذين يظلمون أنفسهم، قال الحسن وقتادة‏:‏ هذا القول من يونس اعتراف بذنبه وتوبة من خطيئته، قال ذلك وهو في بطن الحوت‏.‏

ثم أخبر الله سبحانه بأنه استجاب له فقال‏:‏ ‏{‏فاستجبنا لَهُ‏}‏ دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب على ألطف وجه ‏{‏ونجيناه مِنَ الغم‏}‏ بإخراجنا له من بطن الحوت حتى قذفه إلى الساحل ‏{‏وكذلك نُنجِي المؤمنين‏}‏ أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم وما أعددناه لهم من الرحمة، وهذا هو معنى الآية الأخرى، وهي قوله‏:‏ ‏{‏فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 143، 144‏]‏‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ «ننجي» بنونين‏.‏ وقرأ ابن عامر «نُجّي» بنون واحدة وجيم مشدّدة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر، أي وكذلك نُجّي النجاءُ المؤمنين كما تقول‏:‏ ضُرب زيداً، أي ضُرب الضربُ زيداً، ومنه قول الشاعر‏:‏

ولو ولدت قُفَيرة جرو كلب *** لسبّ بذلك الجرو الكلابا

هكذا قال في توجيه هذه القراءة الفرّاء وأبو عبيد وثعلب، وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالا‏:‏ هي لحن لأنه نصب اسم ما لم يسمّ فاعله، وإنما يقال‏:‏ نجي المؤمنون‏.‏ ولأبي عبيدة قول آخر، وهو أنه أدغم النون في الجيم وبه قال القتيبي‏.‏ واعترضه النحاس فقال‏:‏ هذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها، ثم قال النحاس‏:‏ لم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من عليّ بن سليمان الأخفش قال‏:‏ الأصل‏:‏ ننجي، فحذف إحدى النونين لاجتماعهما كما يحذف إحدى التاءين لاجتماعهما نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَفَرَّقُواْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 103‏]‏‏.‏ والأصل‏:‏ ولا تتفرّقوا‏.‏ قلت‏:‏ وكذا الواحدي عن أبي عليّ الفارسي أنه قال‏:‏ إن النون الثانية تخفى مع الجيم، ولا يجوز تبيينها، فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام، فظن أنه إدغام، ويدلّ على هذا إسكانه الياء من نجي ونصب المؤمنين، ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن الياء ولوجب أن يرفع المؤمنين‏.‏ قلت‏:‏ ولا نسلم قوله‏:‏ إنه لا يجوز تبيينها فقد بينت في قراءة الجمهور، وقرأ محمد بن السميفع وأبو العالية «وكذلك نجى المؤمنين» على البناء للفاعل، أي نجى الله المؤمنين‏.‏

وقد أخرج ابن جرير عن مرّة في قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث‏}‏ قال‏:‏ كان الحرث نبتاً فنفشت فيه ليلاً فاختصموا فيه إلى داود، فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمرّوا على سليمان فذكروا ذلك له‏.‏ فقال‏:‏ لا، تدفع الغنم فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم، فإذا كان كما كان ردّوا عليهم فنزلت‏:‏ ‏{‏ففهمناها سليمان‏}‏ وقد روي هذا عن مرّة عن ابن مسعود‏.‏ وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏وَدَاوُدَ وسليمان إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث‏}‏ قال‏:‏ كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان‏:‏ غير هذا يا نبيّ الله قال‏:‏ وما ذاك‏؟‏ قال‏:‏ يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏ففهمناها سليمان‏}‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مسروق نحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه، ولكنه لم يذكر الكرم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير وابن المنذر، وابن مردويه عنه نحوه بأطول منه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً ‏{‏نَفَشَتْ‏}‏ قال‏:‏ رعت‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حرام بن محيصة‏:‏ أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها‏.‏ وقد علل هذا الحديث، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح المنتقى‏.‏ وأخرج ابن مردويه من حديث عائشة نحوه، وزاد في آخره، ثم تلا هذه الآية ‏{‏وَدَاوُدَ وسليمان‏}‏ الآية‏.‏ وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بينما امرأتان معهما ابنان جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا فدعاهما سليمان فقال‏:‏ هاتوا السكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى‏:‏ رحمك الله، هو ابنها لا تشقه، فقضى به للصغرى» وهذا الحديث وإن لم يكن داخلاً فيما حكته الآية من حكمهما لكنه من جملة ما وقع لهما‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرْنَا مَعَ * دَاوُودُ *الجبال يُسَبّحْنَ والطير‏}‏ قال‏:‏ يصلين مع داود إذا صلى ‏{‏وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ‏}‏ قال‏:‏ كانت صفائح، فأوّل من سردها وحلقها داود عليه السلام‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ كان سليمان يوضع له ستمائة ألف كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجنّ فيجلسون مما يلي أشراف الإنس ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتحملهم تسير مسيرة شهر في الغداة الواحدة‏.‏

وأخرج ابن عساكر، والديلمي، وابن النجار عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «قال الله لأيوب‏:‏ تدري ما جرمك عليّ حتى ابتليتك‏؟‏ قال‏:‏ لا يا رب، قال‏:‏ لأنك دخلت على فرعون فداهنت عنده في كلمتين» وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال‏:‏ إنما كان ذنب أيوب أنه استعان به مسكين على ظالم يدرؤه فلم يعنه، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه الظالم عن ظلم المسكين فابتلاه الله، وفي إسناده جويبر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال‏:‏ كان لأيوب أخوان جاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر‏:‏ لو كان علم الله من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء قط مثله، فقال‏:‏ اللّهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان، وأنا أعلم مكان جائع فصدّقني؛ فصدّق من السماء وهما يسمعان، ثم قال‏:‏ اللّهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصاً قط وأنا أعلم مكان عار فصدّقني، فصدّق من السماء وهما يسمعان ثم خرّ ساجداً وقال‏:‏ اللّهم بعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف الله عنه‏.‏ وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعاً بنحو هذا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وآتيناه أهله ومثلهم معهم‏}‏ قال‏:‏ قيل له‏:‏ يا أيوب، إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم، قال‏:‏ لا، بل اتركهم لي في الجنة، قال‏:‏ فتركوا له في الجنة وعوّض مثلهم في الدنيا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن الضحاك قال‏:‏ بلغ ابن مسعود أن مروان قال في هذه الآية‏:‏ ‏{‏وآتيناه أهله ومثلهم معهم‏}‏ قال‏:‏ أوتي أهلاً غير أهله، فقال ابن مسعود‏:‏ بل أوتي أهله بأعيانهم ومثلهم معهم‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والروياني وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«إن أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخصّ إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم‏:‏ تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد‏.‏ قال‏:‏ وما ذاك‏؟‏ قال‏:‏ منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف عنه ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك، فقال أيوب‏:‏ لا أدري ما يقول غير أن الله يعلم أني أمرّ بالرجلين يتنازعان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهة أن يذكر الله إلا في حق، وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن ‏{‏اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 42‏]‏ فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت‏:‏ أي بارك الله فيك هل رأيت نبيّ الله المبتلى، والله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً‏؟‏ قال‏:‏ فإني أنا هو، قال‏:‏ وكان له أندران‏:‏ أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض‏.‏ وأفرعت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض» وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وَذَا الكفل‏}‏ قال‏:‏ رجل صالح غير نبيّ تكفل لنبيّ قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي ذا الكفل‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ كان في بني إسرائيل قاضٍ فحضره الموت، فقال‏:‏ من يقوم مقامي على أن لا يغضب‏؟‏ فقال رجل‏:‏ أنا، فسمي‏:‏ ذا الكفل، فكان ليله جميعاً يصلي، ثم يصبح صائماً فيقضي بين الناس، وذكر قصة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ ما كان ذو الكفل نبياً، ولكن كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كلّ يوم مائة صلاة فتوفي، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق سعد مولى طلحة عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال‏:‏ ما يبكيك‏:‏ أكرهتك‏؟‏ قالت‏:‏ لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال‏:‏ تفعلين أنت هذا وما فعلته، اذهبي فهي لك، وقال‏:‏ والله لا أعصي الله بعدها أبداً، فمات من ليلته فأصبح مكتوب على بابه‏:‏ إن الله قد غفر للكفل»

وأخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وابن مردويه من طريق سعد مولى طلحة‏.‏ وأخرجه ابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر وقال فيه ذو الكفل‏.‏

وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مغاضبا‏}‏ يقول‏:‏ غضب على قومه ‏{‏فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ‏}‏ يقول‏:‏ أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه عليهم وفراره، قال‏:‏ وعقوبته أخذ النون إياه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ‏}‏ قال‏:‏ ظنّ أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود‏:‏ ‏{‏فنادى فِي الظلمات‏}‏ قال‏:‏ ظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر‏.‏ وأخرج أحمد والترمذي والنسائي، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت‏:‏ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له» وأخرج ابن جرير عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى»، قلت‏:‏ يا رسول الله، هل ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين‏؟‏ قال‏:‏ «هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا به، ألم تسمع قول الله‏:‏ ‏{‏وكذلك نُنجِي المؤمنين‏}‏ فهو شرط من الله لمن دعاه» وأخرج الحاكم من حديثه أيضاً نحوه، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا ينبغي لأحد أن يقول‏:‏ أنا خير من يونس بن متى» وروي أيضاً في الصحيح وغيره من حديث ابن مسعود‏.‏ وروي أيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏89- 97‏]‏

‏{‏وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ‏(‏89‏)‏ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ‏(‏90‏)‏ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ‏(‏91‏)‏ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ‏(‏92‏)‏ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ‏(‏93‏)‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ‏(‏94‏)‏ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ‏(‏95‏)‏ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ‏(‏96‏)‏ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏97‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَزَكَرِيَّا‏}‏ أي واذكر خبر زكريا وقت ندائه لربه قال‏:‏ ‏{‏رَبّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً‏}‏ أي منفرداً وحيداً لا ولد لي‏.‏ وقد تقدّم الكلام على هذه الآية في آل عمران ‏{‏وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين‏}‏ أي خير من يبقى بعد كل من يموت، فأنت حسبي إن لم ترزقني ولداً فإني أعلم أنك لا تضيع دينك وأنه سيقوم بذلك من عبادك من تختاره له وترتضيه للتبليغ‏:‏ ‏{‏فاستجبنا لَهُ‏}‏ دعاءه ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى‏}‏‏.‏ وقد تقدّم مستوفى في سورة مريم ‏{‏وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ‏}‏‏.‏ قال أكثر المفسرين‏:‏ إنها كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً‏.‏ فهذا هو المراد بإصلاح زوجه‏.‏ وقيل‏:‏ كانت سيئة الخلق فجعلها الله سبحانه حسنة الخلق، ولا مانع من إرادة الأمرين جميعاً، وذلك بأن يصلح الله سبحانه ذاتها، فتكون ولوداً بعد أن كانت عاقراً، ويصلح أخلاقها فتكون أخلاقها مرضية بعد أن كانت غير مرضية، وجملة‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات‏}‏ للتعليل لما قبلها من إحسانه سبحانه إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فالضمير المذكور راجع إليهم، وقيل‏:‏ هو راجع إلى زكريا وامرأته ويحيى‏.‏ ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم كانوا يدعونه ‏{‏رَغَباً وَرَهَباً‏}‏ أي يتضرّعون إليه في حال الرّخاء وحال الشدّة، وقيل الرغب‏:‏ رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهب‏:‏ رفع ظهورها، وانتصاب رغباً ورهباً على المصدرية أي‏:‏ يرغبون رغباً ويرهبون رهباً، أو على العلة أي للرّغب والرّهب، أو على الحال، أي راغبين وراهبين‏.‏ وقرأ طلحة بن مصرِّف «ويدعونا» بنون واحدة، وقرأ الأعمش بضم الراء فيهما وإسكان ما بعده، وقرأ ابن وثاب بفتح الراء فيهما مع إسكان ما بعده، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، وقرأ الباقون بفتح الراء وفتح ما بعده فيهما ‏{‏وَكَانُواْ لَنَا خاشعين‏}‏ أي‏:‏ متواضعين متضرّعين‏.‏

‏{‏والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا‏}‏ أي واذكر خبرها، وهي مريم، فإنها أحصنت فرجها من الحلال والحرام ولم يمسسها بشر، وإنما ذكرها مع الأنبياء وإن لم تكن منهم لأجل ذكر عيسى، وما في ذكر قصتها من الآية الباهرة ‏{‏فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا‏}‏ أضاف سبحانه الروح إليه، وهو للملك تشريفاً وتعظيماً، وهو يريد روح عيسى ‏{‏وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين‏}‏ قال الزجاج‏:‏ الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من غير فحل‏.‏ وقيل‏:‏ إن التقدير على مذهب سيبويه‏:‏ وجعلناها آية وجعلنا ابنها آية كقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏ والمعنى‏:‏ أن الله سبحانه جعل قصتهما آية تامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالآية الجنس الشامل، لما لكل واحد منهما من آيات، ومعنى‏:‏ ‏{‏أحصنت‏}‏ عفت فامتنعت من الفاحشة وغيرها‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالفرج‏:‏ جيب القميص، أي أنها طاهرة الأثواب، وقد مضى بيان مثل هذا في سورة النساء ومريم‏.‏

ثم لما ذكر سبحانه الأنبياء بيّن أنهم كلهم مجتمعون على التوحيد فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏ والأمة‏:‏ الدّين كما قال ابن قتيبة، ومنه‏:‏ ‏{‏إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءنَا على أمة‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 22‏]‏ أي على دين، كأنه قال‏:‏ إن هذا دينكم دين واحد لا خلاف بين الأمم المختلفة في التوحيد، ولا يخرج عن ذلك إلا الكفرة المشركون بالله، وقيل‏:‏ المعنى إن هذه الشريعة التي بينتها لكم في كتابكم شريعة واحدة، وقيل‏:‏ المعنى إن هذه ملتكم ملة واحدة، وهي ملة الإسلام‏.‏ وانتصاب ‏{‏أمة واحدة‏}‏ على الحال، أي متفقة غير مختلفة، وقرئ‏:‏ «إن هذه أمتكم» بنصب أمتكم على البدل من اسم إنّ والخبر أمة واحدة‏.‏ وقرئ برفع ‏{‏أمتكم‏}‏ ورفع ‏{‏أمة‏}‏ على أنهما خبران؛ وقيل‏:‏ على إضمار مبتدأ أي‏:‏ هي أمة واحدة‏.‏ وقرأ الجمهور برفع ‏(‏أمتكم‏)‏ على أنه الخبر ونصب ‏(‏أمة‏)‏ على الحال كما قدّمنا‏.‏ وقال الفراء والزجاج‏:‏ على القطع بسبب مجيء النكرة بعد تمام الكلام ‏{‏وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاعبدون‏}‏ خاصة، لا تعبدوا غيري كائناً ما كان‏.‏

‏{‏وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ‏}‏ أي تفرّقوا فرقاً في الدين حتى صار كالقطع المتفرّقة‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ اختلفوا فيه، وهو كالقول الأوّل‏.‏ قال الأزهري‏:‏ أي تفرّقوا في أمرهم، فنصب أمرهم بحذف في، والمقصود بالآية المشركون، ذمهم الله بمخالفة الحق واتخاذهم آلهة من دون الله‏.‏ وقيل‏:‏ المراد‏:‏ جميع الخلق وأنهم جعلوا أمرهم في أديانهم قطعاً وتقسموه بينهم، فهذا موحّد، وهذا يهوديّ، وهذا نصرانيّ، وهذا مجوسيّ، وهذا عابد وثن‏.‏ ثم أخبر سبحانه بأن مرجع الجميع إليه فقال‏:‏ ‏{‏كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون‏}‏ أي‏:‏ كل واحد من هذه الفرق راجع إلينا بالبعث، لا إلى غيرنا‏.‏

‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات‏}‏ أي من يعمل بعض الأعمال الصالحة، لا كلها، إذ لا يطيق ذلك أحد ‏{‏وَهُوَ مُؤْمِنٌ‏}‏ بالله ورسله واليوم الآخر ‏{‏فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ‏}‏ أي لا جحود لعمله، ولا تضييع لجزائه، والكفر ضدّ الإيمان، والكفر أيضاً جحود النعمة وهو ضدّ الشكر، يقال‏:‏ كفر كفوراً وكفراناً، وفي قراءة ابن مسعود‏:‏ «فلا كفر لسعيه»‏.‏ ‏{‏وَإِنَّا لَهُ كاتبون‏}‏ أي لسعيه حافظون، ومثله قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 195‏]‏‏.‏ ‏{‏وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها‏}‏‏.‏ قرأ زيد بن ثابت وأهل المدينة ‏{‏وحرام‏}‏ وقرأ أهل الكوفة‏:‏ «وحرم» وقد اختار القراءة الأولى أبو عبيد وأبو حاتم، ورويت القراءة الثانية عن عليّ وابن مسعود وابن عباس‏:‏ وهما لغتان مثل حلّ وحلال‏.‏ وقرأ سعيد بن جبير «وحرم» بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم‏.‏ وقرأ عكرمة وأبو العالية «حرم» بضم الراء وفتح الحاء والميم، ومعنى ‏{‏أهلكناها‏}‏‏:‏ قدّرنا إهلاكها، وجملة‏:‏ ‏{‏أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ في محل رفع على أنه مبتدأ وخبره ‏{‏حرام‏}‏ أو على أنه فاعل له سادّ مسدّ خبره‏.‏

والمعنى‏:‏ وممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء، وقيل‏:‏ إن ‏{‏لا‏}‏ في ‏{‏لا يرجعون‏}‏ زائدة أي حرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، واختار هذا أبو عبيدة؛ وقيل‏:‏ إن لفظ حرام هنا بمعنى الواجب، أي واجب على قرية، ومنه قول الخنساء‏:‏

وإن حراماً لا أرى الدهر باكياً *** على شجوه إلا بكيت على صخر

وقيل‏:‏ حرام‏:‏ أي ممتنع رجوعهم إلى التوبة، على أن لا زائدة‏.‏ قال النحاس‏:‏ والآية مشكلة، ومن أحسن ما قيل فيها وأجلّه ما رواه ابن عيينة وابن علية وهشيم وابن إدريس ومحمد بن فضيل، وسليمان بن حيان ومعلى عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في معنى الآية قال‏:‏ واجب أنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون‏.‏ قال الزجاج وأبو علي الفارسي‏:‏ إن في الكلام إضماراً، أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها، أو بالختم على قلوب أهلها، أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون‏.‏ ‏{‏حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ‏}‏‏:‏ «حتى» هذه هي التي يحكى بعدها الكلام، ويأجوج ومأجوج قبيلتان من الإنس، والمراد بفتح يأجوج ومأجوج فتح السدّ الذي عليهم، على حذف المضاف، وقيل‏:‏ إن حتى هذه هي التي للغاية‏.‏ والمعنى‏:‏ أن هؤلاء المذكورين سابقاً مستمرّون على ما هم عليه إلى يوم القيامة، وهي يوم فتح سدّ يأجوج ومأجوج ‏{‏وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ‏}‏ الضمير ليأجوج ومأجوج، والحدب، كلّ أكمة من الأرض مرتفعة والجمع أحداب، مأخوذ من حدبة الأرض، ومعنى ‏{‏يَنسِلُونَ‏}‏ يسرعون‏.‏ وقيل‏:‏ يخرجون‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والنسلان مشية الذئب إذا أسرع‏.‏ يقال‏:‏ نسل فلان في العدو ينسل بالكسر والضم نسلاً ونسولاً ونسلاناً، أي أن يأجوج ومأجوج من كلّ مرتفع من الأرض يسرعون المشي ويتفرقون في الأرض؛ وقيل‏:‏ الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وهم‏}‏ لجميع الخلق، والمعنى‏:‏ أنهم يحشرون إلى أرض الموقف وهم يسرعون من كلّ مرتفع من الأرض‏.‏ وقرئ بضم السين‏.‏ حكى ذلك المهدوي عن ابن مسعود‏.‏ وحكى هذه القراءة أيضاً الثعلبي، عن مجاهد، وأبي الصهباء‏.‏

‏{‏واقترب الوعد‏}‏ عطف على ‏{‏فتحت‏}‏، والمراد‏:‏ ما بعد الفتح من الحساب‏.‏ وقال الفراء والكسائي وغيرهما‏:‏ المراد بالوعد الحق‏:‏ القيامة والواو زائدة؛ والمعنى‏:‏ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق وهو القيامة، فاقترب جواب إذا، وأنشد الفراء‏:‏

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى *** أي انتحى، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وناديناه‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 103، 104‏]‏‏.‏ وأجاز الفراء أن يكون جواب إذا ‏{‏فَإِذَا هِيَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ‏}‏ وقال البصريون‏:‏ الجواب محذوف، والتقدير‏:‏ قالوا‏:‏ يا ويلنا‏.‏

وبه قال الزجاج، والضمير في ‏{‏فَإِذَا هِىَ‏}‏ للقصة، أو مبهم يفسره ما بعده، وإذا للمفاجأة‏.‏ وقيل‏:‏ إن الكلام تمّ عند قوله ‏{‏هي‏}‏، والتقدير‏:‏ فإذا هي، يعني‏:‏ القيامة بارزة واقعة كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال‏:‏ ‏{‏شاخصة أبصار الذين كفروا‏}‏ على تقديم الخبر على المبتدأ، أي أبصار الذين كفروا شاخصة، و‏{‏يا ويلنا‏}‏ على تقدير القول‏:‏ ‏{‏قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هذا‏}‏ أي من هذا الذي دهمنا من العبث والحساب ‏{‏بَلْ كُنَّا ظالمين‏}‏ أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل‏.‏

وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ‏}‏ قال‏:‏ كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله‏.‏ وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ وهبنا له ولدها‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً ووهب له منها يحيى، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَكَانُواْ لَنَا خاشعين‏}‏ قال‏:‏ أذلاء‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً‏}‏ قال‏:‏ رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً‏}‏ قال‏:‏ «رغباً هكذا ورهباً هكذا وبسط كفيه»، يعني‏:‏ جعل ظهرهما للأرض في الرغبة وعكسه في الرهبة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن حكيم قال‏:‏ خطبنا أبو بكر الصديق فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشعين‏}‏‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏ قال‏:‏ إن هذا دينكم ديناً واحداً‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏{‏وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ‏}‏ قال‏:‏ تقطعوا‏:‏ اختلفوا في الدين‏.‏ وأخرج الفريابي وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها‏}‏ قال‏:‏ وجب إهلاكها ‏{‏أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ قال‏:‏ لا يتوبون‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ‏:‏ «وَحَرَّمَ على قَرْيَةٍ» قال‏:‏ وجب على قرية ‏{‏أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ كما قال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏ياس‏:‏ 31‏]‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد بن جبير مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏مّن كُلّ حَدَبٍ‏}‏ قال‏:‏ شرف ‏{‏يَنسِلُونَ‏}‏ قال‏:‏ يقبلون، وقد ورد في صفة يأجوج ومأجوج وفي وقت خروجهم أحاديث كثيرة لا يتعلق بذكرها ها هنا كثير فائدة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 112‏]‏

‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ‏(‏98‏)‏ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏99‏)‏ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏100‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ‏(‏101‏)‏ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ‏(‏102‏)‏ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ‏(‏103‏)‏ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ‏(‏104‏)‏ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ‏(‏105‏)‏ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ‏(‏106‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ‏(‏107‏)‏ قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏108‏)‏ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ ‏(‏109‏)‏ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ‏(‏110‏)‏ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ‏(‏111‏)‏ قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

بيّن سبحانه حال معبودهم يوم القيامة فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ‏}‏ وهذا خطاب منه سبحانه لأهل مكة، والمراد بقوله ‏{‏وما تعبدون‏}‏‏:‏ الأصنام التي كانوا يعبدون‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏حصب‏}‏ بالصاد المهملة، أي وقود جهنم وحطبها، وكل ما أوقدت به النار أو هيجتها به فهو حصب، كذا قال الجوهري‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به، ومثل ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 24‏]‏‏.‏ وقرأ عليّ بن أبي طالب وعائشة‏:‏ «حطب جهنم» بالطاء، وقرأ ابن عباس‏:‏ «حضب» بالضاد المعجمة‏.‏ قال الفراء‏:‏ ذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن‏:‏ الحطب، ووجه إلقاء الأصنام في النار مع كونها جمادات لا تعقل ذلك ولا تحسّ به‏:‏ التبكيت لمن عبدها وزيادة التوبيخ لهم وتضاعف الحسرة عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ إنها تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم، وجملة‏:‏ ‏{‏أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ‏}‏ إما مستأنفة أو بدل من ‏{‏حصب جهنم‏}‏ والخطاب لهم ولما يعبدون تغليباً، واللام في ‏{‏لها‏}‏ للتقوية لضعف عمل اسم الفاعل‏.‏ وقيل‏:‏ هي بمعنى على، والمراد بالورود هنا‏:‏ الدخول‏.‏ قال كثير من أهل العلم‏:‏ ولا يدخل في هذه الآية عيسى وعزير والملائكة، لأن ‏{‏ما‏}‏ لمن لا يعقل، ولو أراد العموم لقال‏:‏ ومن يعبدون‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم‏.‏

‏{‏لَوْ كَانَ هَؤُلاء ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا‏}‏ أي لو كانت هذه الأصنام آلهة كما تزعمون، ما وردوها أي‏:‏ ما ورد العابدون هم والمعبودون النار، وقيل‏:‏ ما ورد العابدون فقط، لكنهم وردوها فلم يكونوا آلهة، وفي هذا تبكيت لعباد الأصنام وتوبيخ شديد ‏{‏وَكُلٌّ فِيهَا خالدون‏}‏ أي‏:‏ كلّ العابدين والمعبودين في النار خالدون لا يخرجون منها ‏{‏لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ‏}‏ أي لهؤلاء الذين وردوا النار، والزفير صوت نفس المغموم، والمراد هنا‏:‏ الأنين والتنفس الشديد، وقد تقدّم بيان هذا في هود‏.‏ ‏{‏وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ‏}‏ أي لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدّة الهول‏.‏ وقيل‏:‏ لا يسمعون شيئاً، لأنهم يحشرون صماً كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 97‏]‏‏.‏ وإنما سلبوا السماع، لأن فيه بعض تروّح وتأنس، وقيل‏:‏ لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون ما يسوؤهم‏.‏

ثم لما بيّن سبحانه حال هؤلاء الأشقياء شرع في بيان حال السعداء فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى‏}‏ أي الخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهي السعادة‏.‏ وقيل‏:‏ التوفيق، أو التبشير بالجنة، أو نفس الجنة‏.‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ‏}‏ إشارة إلى الموصوفين بتلك الصفة ‏{‏عَنْهَا‏}‏ أي عن جهنم ‏{‏مُبْعَدُونَ‏}‏ لأنهم قد صاروا في الجنة‏.‏

‏{‏لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا‏}‏ الحسّ والحسيس‏:‏ الصوت تسمعه من الشيء يمرّ قريباً منك‏.‏ والمعنى‏:‏ لا يسمعون حركة النار وحركة أهلها، وهذه الجملة بدل من ‏{‏مبعدون‏}‏ أو حال من ضميره ‏{‏وَهُمْ فِيمَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خالدون‏}‏ أي دائمون، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذّ به الأعين كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 31‏]‏‏.‏ ‏{‏لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر‏}‏ قرأ أبو جعفر وابن محيصن‏:‏ «لا يحزنهم» بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الباقون ‏{‏لا يحزنهم‏}‏ بفتح الياء وضم الزاي‏.‏ قال اليزيدي‏:‏ حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم‏.‏ والفزع الأكبر‏:‏ أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب ‏{‏وتتلقاهم الملئكة‏}‏ أي تستقبلهم على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم‏:‏ ‏{‏هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ‏}‏ أي توعدون به في الدنيا وتبشرون بما فيه، هكذا قال جماعة من المفسرين إن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى‏}‏ إلى هنا هم كافة الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح، لا المسيح وعزير والملائكة، وقال أكثر المفسرين‏:‏ إنه لما نزل ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ‏}‏ الآية «أتى ابن الزبعري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد ألست تزعم أن عزيراً رجل صالح، وأن عيسى رجل صالح، وأن مريم امرأة صالحة‏؟‏ قال‏:‏ بلى، فقال‏:‏ فإن الملائكة وعيسى وعزيراً ومريم يعبدون من دون الله، فهؤلاء في النار، فأنزل الله ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى‏}‏» وسيأتي بيان من أخرج هذا قريباً إن شاء الله‏.‏

‏{‏يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَيّ السجل للكتب‏}‏ قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج والزهري‏:‏ «تطوي» بمثناة فوقية مضمومة ورفع السماء، وقرأ مجاهد‏:‏ «يطوي» بالتحتية المفتوحة مبنياً للفاعل على معنى يطوي الله السماء، وقرأ الباقون ‏{‏نطوي‏}‏ بنون العظمة وانتصاب ‏{‏يوم‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏نُّعِيدُهُ‏}‏ أي نعيده يوم نطوي السماء، وقيل‏:‏ هو بدل من الضمير المحذوف في توعدون، والتقدير‏:‏ الذي كنتم توعدونه يوم نطوي‏.‏ وقيل‏:‏ بقوله‏:‏ ‏{‏لا يحزنهم الفزع‏}‏ وقيل‏:‏ بقوله‏:‏ ‏{‏تتلقاهم‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ متعلق بمحذوف، وهو اذكر، وهذا أظهر وأوضح، والطيّ ضد النشر‏.‏ وقيل‏:‏ المحو، والمراد بالسماء‏:‏ الجنس، والسجل‏:‏ الصحيفة، أي طياً كطيّ الطومار‏.‏ وقيل‏:‏ السجل‏:‏ الصك، وهو مشتق من المساجلة وهي المكاتبة، وأصلها من السجل، وهو الدلو، يقال‏:‏ ساجلت الرجل‏:‏ إذا نزعت دلواً ونزع دلواً، ثم استعيرت للمكاتبة والمراجعة في الكلام، ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب‏:‏

من يساجلني يساجل ماجداً *** يملأ الدلو إلى عقد الكرب

وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير‏:‏ «السجل» بضم السين والجيم وتشديد اللام، وقرأ الأعمش وطلحة بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام، والطيّ في هذه الآية يحتمل معنيين أحدهما‏:‏ الطيّ الذي هو ضدّ النشر، ومنه قوله‏:‏

‏{‏والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 67‏]‏‏.‏ والثاني‏:‏ الإخفاء والتعمية والمحو، لأن الله سبحانه يمحو ويطمس رسومها ويكدّر نجومها‏.‏ وقيل‏:‏ السجل اسم ملك، وهو الذي يطوي كتب بني آدم‏.‏ وقيل‏:‏ هو اسم كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والأوّل أولى‏.‏ قرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيى وخلف‏:‏ ‏{‏للكتب‏}‏ جمعاً، وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏للكتاب‏}‏ وهو متعلق بمحذوف حال من السجل، أي كطيّ السجل كائناً للكتب أو صفة له أي الكائن للكتب، فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها، فسجلها بعض أجزائها، وبه يتعلق الطيّ حقيقة‏.‏ وأما على القراءة الثانية فالكتاب مصدر، واللام للتعليل، أي كما يطوي الطومار للكتابة، أي ليكتب فيه، أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وهذا على تقدير أن المراد بالطيّ المعنى الأوّل، وهو ضدّ النشر ‏{‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ‏}‏ أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم وأخرجناهم إلى الأرض حفاة عراة غرلاً كذلك نعيدهم يوم القيامة، فأوّل خلق مفعول نعيد مقدّراً يفسره نعيده المذكور، أو مفعول لبدأنا، وما كافة أو موصولة، والكاف متعلقة بمحذوف، أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده، وعلى هذا الوجه يكون أوّل ظرف لبدأنا، أو حال، وإنما خص أوّل الخلق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم، والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ للشمول الإمكاني الذاتي لهما، وقيل معنى الآية‏:‏ نهلك كلّ نفس كما كان أوّل مرّة، وعلى هذا فالكلام متصل بقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ نَطْوِي السماء‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى نغير السماء، ثم نعيدها مرّة أخرى بعد طيها وزوالها، والأوّل أولى، وهو مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 94‏]‏‏.‏ ثم قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فاعلين‏}‏ انتصاب ‏{‏وعداً‏}‏ على أنه مصدر أي وعدنا وعداً علينا إنجازه والوفاء به‏.‏ وهو البعث والإعادة، ثم أكد سبحانه ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا كُنَّا فاعلين‏}‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ معنى ‏{‏إنا كنا فاعلين‏}‏‏:‏ إنا كنا قادرين على ما نشاء‏.‏ وقيل‏:‏ إنا كنا فاعلين ما وعدناكم، ومثله قوله‏:‏ ‏{‏كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 18‏]‏‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور‏}‏ الزبر في الأصل‏:‏ الكتب، يقال‏:‏ زبرت، أي كتبت، وعلى هذا يصح إطلاق الزبور على التوراة والإنجيل، وعلى كتاب داود المسمى بالزبور‏.‏ وقيل‏:‏ المراد به هنا‏:‏ كتاب داود، ومعنى ‏{‏مِن بَعْدِ الذكر‏}‏ أي اللوح المحفوظ‏.‏ وقيل‏:‏ هو التوراة، أي والله لقد كتبنا في كتاب داود من بعد ما كتبنا في التوراة أو من بعد ما كتبنا في اللوح المحفوظ ‏{‏أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون‏}‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الزبور جميع الكتب‏:‏ التوراة والإنجيل والقرآن، لأن الزبور والكتاب في معنى واحد، يقال‏:‏ زبرت وكتبت، ويؤيد ما قاله قراءة حمزة في الزبور بضم الزاي، فإنه جمع زبر‏.‏

وقد اختلف في معنى ‏{‏يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون‏}‏ فقيل‏:‏ المراد‏:‏ أرض الجنة، واستدل القائلون بهذا بقوله سبحانه‏:‏

‏{‏وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 74‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ هي الأرض المقدسة‏.‏ وقيل‏:‏ هي أرض الأمم الكافرة يرثها نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته بفتحها‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بذلك‏:‏ بنو إسرائيل، بدليل قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض ومغاربها التي بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 137‏]‏ والظاهر أن هذا تبشير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بوراثة أرض الكافرين، وعليه أكثر المفسرين‏.‏ وقرأ حمزة‏:‏ ‏"‏ عبادي ‏"‏ بتسكين الياء، وقرأ الباقون بتحريكها‏.‏

‏{‏إِنَّ فِي هذا لبلاغا‏}‏ أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه ‏{‏لبلاغاً‏}‏‏:‏ لكفاية، يقال‏:‏ في هذا الشيء بلاغ وبلغة وتبلغ، أي كفاية‏.‏ وقيل‏:‏ الإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي هذا‏}‏ إلى القرآن ‏{‏لّقَوْمٍ عابدين‏}‏ أي مشغولين بعبادة الله مهتمين بها‏.‏ والعبادة هي‏:‏ الخضوع والتذلل، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورأس العبادة الصلاة‏.‏ ‏{‏وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين‏}‏ أي وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة لجميع الناس، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال والعلل، أي ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، قيل‏:‏ ومعنى كونه رحمة للكفار‏:‏ أنهم أمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال، وقيل‏:‏ المراد بالعالمين‏:‏ المؤمنون خاصة، والأوّل أولى بدليل قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 33‏]‏‏.‏

ثم بيّن سبحانه أن أصل تلك الرحمة هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله واحد‏}‏ إن كانت «ما» موصولة فالمعنى‏:‏ أن الذي يوحى إليّ هو أن وصفه تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزها إلى ما يناقضها أو يضادّها، وإن كانت «ما» كافة فالمعنى‏:‏ أن الوحي إليّ مقصور على استئثار الله بالوحدة، ووجه ذلك أن القصر أبداً يكون لما يلي إنما، فإنما الأولى لقصر الوصف على الشيء كقولك‏:‏ إنما يقوم زيد، أي ما يقوم إلا زيد‏.‏ والثانية لقصر الشيء على الحكم كقولك‏:‏ إنما زيد قائم، أي ليس به إلا صفة القيام ‏{‏فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ‏}‏ منقادون مخلصون للعبادة ولتوحيد الله سبحانه‏.‏

‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ أي أعرضوا عن الإسلام ‏{‏فَقُلْ‏}‏ لهم ‏{‏آذنكم على سَوَاء‏}‏ أي‏:‏ أعلمتكم أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا كائنين على سواء في الإعلام لم أخصّ به بعضكم دون بعض كقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَاء‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 58‏]‏ أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضاً سوّيت بينهم فيه‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ أعلمتكم ما يوحى إليّ على استواء في العلم به، ولا أظهر لأحد شيئاً كتمته على غيره ‏{‏وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ‏}‏ أي ما أدري أما توعدون به قريب حصوله أم بعيد، وهو غلبة الإسلام وأهله على الكفر وأهله؛ وقيل‏:‏ المراد بما توعدون‏:‏ القيامة‏.‏

وقيل‏:‏ آذنتكم بالحرب ولكن لا أدري ما يؤذن لي في محاربتكم ‏{‏إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ‏}‏ أي يعلم سبحانه ما تجاهرون به من الكفر والطعن على الإسلام وأهله وما تكتمونه من ذلك وتخفونه ‏{‏وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ‏}‏ أي ما أدري لعلّ الإمهال فتنة لكم واختبار ليرى كيف صنعكم ‏{‏ومتاع إلى حِينٍ‏}‏ أي وتمتيع إلى وقت مقدّر تقتضيه حكمته‏.‏

ثم حكى سبحانه وتعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبّ احكم بالحق‏}‏ أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين بما هو الحق عندك ففوّض الأمر إليه سبحانه‏.‏ وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وابن محيصن‏:‏ «رب» بضم الباء‏.‏ قال النحاس‏:‏ وهذا لحن عند النحويين لا يجوز عندهم‏:‏ رجل أقبل، حتى يقول‏:‏ يا رجل‏.‏ وقرأ الضحاك وطلحة ويعقوب‏:‏ «أحكم» بقطع الهمزة وفتح الكاف وضم الميم، أي قال محمد‏:‏ ربي أحكم بالحقّ من كل حاكم‏.‏ وقرأ الجحدري‏:‏ «أحكم» بصيغة الماضي، أي أحكم الأمور بالحق‏.‏ وقرئ‏:‏ «قل» بصيغة الأمر، أي قل يا محمد‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ الصفة هنا أقيمت مقام الموصوف، والتقدير‏:‏ ربّ احكم بحكمك الحق، ‏{‏وربّ‏}‏ في موضع نصب، لأنه منادى مضاف إلى الضمير، وقد استجاب سبحانه دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم فعذبهم ببدر، ثم جعل العاقبة والغلبة والنصر لعباده المؤمنين والحمد لله ربّ العالمين‏.‏ ثم قال سبحانه متمماً لتلك الحكاية ‏{‏وَرَبُّنَا الرحمن المستعان على مَا تَصِفُونَ‏}‏ من الكفر والتكذيب، ف ‏{‏ربنا‏}‏ مبتدأ وخبره ‏{‏الرحمن‏}‏ أي هو كثير الرحمة لعباده، ‏{‏المستعان‏}‏ خبر آخر، أي المستعان به في الأمور التي من جملتها ما تصفونه من أن الشوكة تكون لكم، ومن قولكم‏:‏ ‏{‏هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 3‏]‏ وقولكم‏:‏ ‏{‏اتخذ الرحمن وَلَداً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 88‏]‏ وكثيراً ما يستعمل الوصف في كتاب الله بمعنى الكذب كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 18‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 139‏]‏ وقرأ المفضل والسلمي‏:‏ «على ما يصفون» بالياء التحتية‏.‏ وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب‏.‏

وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ‏}‏ قال المشركون‏:‏ فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله، فنزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ‏}‏ عيسى وعزير والملائكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة عنه قال‏:‏ جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ‏}‏ قال ابن الزبعري‏:‏ قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت‏:‏

‏{‏وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُواْ أآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 57، 58‏]‏‏.‏ ثم نزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ‏}‏‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والطبراني من وجه آخر عنه أيضاً نحوه بأطول منه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى‏}‏ قال‏:‏ «عيسى وعزير والملائكة»‏.‏

وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏حَصَبُ جَهَنَّمَ‏}‏ قال‏:‏ شجر جهنم، وفي إسناده العوفي‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه من وجه آخر أن ‏{‏حَصَبُ جَهَنَّمَ‏}‏ وقودها‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال‏:‏ هو حطب جهنم بالزنجية‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا‏}‏ قال‏:‏ «حيات على الصراط تقول حس حس» وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا‏}‏ قال‏:‏ حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قالوا‏:‏ حس حس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن محمد بن حاطب قال‏:‏ سئل عليّ عن هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى‏}‏ قال‏:‏ هو عثمان وأصحابه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا‏}‏ يقول‏:‏ لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزل منزلهم من الجنة‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر‏}‏ قال‏:‏ النفخة الآخرة، وفي إسناده العوفي‏.‏ وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة‏:‏ رجل أمّ قوماً وهم به راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة‏.‏ وعبد أدّى حق الله وحقّ مواليه» وأخرج عبد بن حميد عن عليّ في قوله‏:‏ ‏{‏كَطَيّ السجل‏}‏ قال‏:‏ ملك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطية مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال‏:‏ السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال‏:‏ اكتبوها نوراً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر قال‏:‏ السجل ملك‏.‏ وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، وابن منده في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في سننه وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ السجل كاتب للنبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأخرج ابن المنذر وابن عديّ وابن عساكر عن ابن عباس قال‏:‏ كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يسمى‏:‏ السجل، وهو قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَىّ السجل‏}‏ قال‏:‏ كما يطوي السجل الكتاب كذلك نطوي السماء‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عمر قال‏:‏ كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له‏:‏ السجل، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَيّ السجل‏}‏‏.‏

قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا الحديث‏:‏ وهذا منكر جداً من حديث نافع عن ابن عمر، لا يصح أصلاً‏.‏ قال‏:‏ وكذلك ما تقدّم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره لا يصح أيضاً‏.‏ وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج وقد أفردت لهذا الحديث جزءاً له على حدة، ولله الحمد‏.‏ قال‏:‏ وقد تصدّى الإمام أبو جعفر ابن جرير للإنكار على هذا الحديث وردّه أتمّ ردّ، وقال‏:‏ ولا نعرف في الصحابة أحداً اسمه سجلّ، وكتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا معروفين، وليس فيهم أحد اسمه السجل‏.‏ وصدق رحمه الله في ذلك وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث‏.‏ وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم‏.‏ قال‏:‏ والصحيح عن ابن عباس‏:‏ أن السجلّ هو الصحيفة، قاله عليّ بن أبي طلحة والعوفي عنه‏.‏ ونصّ على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام‏:‏ يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ للكتاب أي‏:‏ على الكتاب، يعني المكتوب كقوله‏:‏ ‏{‏افلما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 103‏]‏، أي‏:‏ على الجبين، وله نظائر في اللغة والله أعلم‏.‏ قلت‏:‏ أما كون هذا هو الصحيح عن ابن عباس فلا، فإن عليّ بن أبي طلحة والعوفيّ ضعيفان، فالأولى التعويل على المعنى اللغوي والمصير إليه‏.‏ وقد أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏السجل‏}‏ هو الرجل، زاد ابن مردويه‏:‏ بلغة الحبشة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير الآية قال‏:‏ كطيّ الصحيفة على الكتاب‏.‏

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ‏}‏ يقول‏:‏ نهلك كل شيء كما كان أوّل مرّة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر‏}‏ قال‏:‏ القرآن ‏{‏أَنَّ الأرض‏}‏ قال‏:‏ أرض الجنة‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور‏}‏ قال‏:‏ الكتب ‏{‏مِن بَعْدِ الذكر‏}‏ قال‏:‏ التوراة وفي إسناده العوفي‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور عنه أيضاً، قال‏:‏ الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن‏.‏ والذكر‏:‏ الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء، والأرض‏:‏ أرض الجنة‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون‏}‏ قال‏:‏ أرض الجنة‏.‏ وأخرج بن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال‏:‏ أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض أن يورث أمة محمد الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون، وفي قوله‏:‏ ‏{‏لبلاغا لّقَوْمٍ عابدين‏}‏ قال‏:‏ عالمين، وفي إسناده عليّ بن أبي طلحة‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي هريرة‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي هذا لبلاغا لّقَوْمٍ عابدين‏}‏ قال‏:‏ الصلوات الخمس‏.‏ وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «في قول الله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي هذا لبلاغا لّقَوْمٍ عابدين‏}‏ قال‏:‏ في الصلوات الخمس شغلاً للعبادة» وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس‏:‏ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏لبلاغا لّقَوْمٍ عابدين‏}‏ قال‏:‏ «هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة» وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين‏}‏ قال‏:‏ من آمن تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من الخسف والمسخ والقذف‏.‏ وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قيل‏:‏ يا رسول الله ادع الله على المشركين، قال‏:‏ «إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة» وأخرج الطيالسي وأحمد والطبراني، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين» وأخرج أحمد والطبراني عن سلمان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليه صلاة يوم القيامة» وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنما أنا رحمة مهداة» وقد روي معنى هذا من طرق‏.‏

وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن الربيع بن أنس قال‏:‏ لما أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم رأى فلاناً، وهو بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ‏}‏ يقول‏:‏ هذا الملك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ‏}‏ يقول‏:‏ ما أخبركم به من العذاب والساعة، لعلّ تأخير ذلك عنكم فتنة لكم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله‏:‏ ‏{‏قُل رَّبّ احكم بالحق‏}‏ قال‏:‏ لا يحكم الله إلا بالحق، وإنما يستعجل بذلك في الدنيا يسأل ربه‏.‏

سورة الحج

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ‏(‏1‏)‏ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ‏(‏2‏)‏ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ‏(‏3‏)‏ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ‏(‏4‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ‏(‏5‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏6‏)‏ وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

لما انجرّ الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها، بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها، حثاً على التقوى التي هي أنفع زاد فقال‏:‏ ‏{‏يَأَيُّهَا الناس اتقوا رَبَّكُمُ‏}‏ أي احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم عنه من المحرمات، ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الموجودين ومن سيوجد على ما تقرر في موضعه، وقد قدّمنا طرفاً من تحقيق ذلك في سورة البقرة، وجملة‏:‏ ‏{‏إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْء عَظِيمٌ‏}‏ تعليل لما قبلها من الأمر بالتقوى، والزلزلة‏:‏ شدّة الحركة، وأصلها من زلّ عن الموضع، أي زال عنه وتحرّك، وزلزل الله قدمه، أي‏:‏ حركها، وتكرير الحرف يدل على تأكيد المعنى، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، وهي على هذا، الزلزلة التي هي أحد أشراط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور‏.‏ وقيل‏:‏ إنها تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها‏.‏ وقيل‏:‏ إن المصدر هنا مضاف إلى الظرف، وهو الساعة، إجراء له مجرى المفعول، أو بتقدير ‏"‏ في ‏"‏ كما في قوله‏:‏ ‏{‏بَلْ مَكْرُ اليل والنهار‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 33‏]‏‏.‏ وهي المذكورة في قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 1‏]‏‏.‏ قيل‏:‏ وفي التعبير عنها بالشيء إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها‏.‏ ‏{‏يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ‏}‏ انتصاب الظرف بما بعده، والضمير يرجع إلى الزلزلة، أي وقت رؤيتكم لها، تذهل‏:‏ كل ذات رضاع عن رضيعها وتغفل عنه‏.‏ قال قطرب‏:‏ تذهل تشتغل، وأنشد قول الشاعر‏:‏

ضرب يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله

وقيل‏:‏ تنسى‏.‏ وقيل‏:‏ تلهو‏.‏ وقيل‏:‏ تسلو، وهذه معانيها متقاربة‏.‏ قال المبرّد‏:‏ إن «ما» فيما أرضعت بمعنى المصدر أي تذهل عن الإرضاع، قال‏:‏ وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس بعد القيامة حمل وإرضاع، إلا أن يقال‏:‏ من ماتت حاملاً فتضع حملها للهول، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ويقال‏:‏ هذا مثل كما يقال‏:‏ ‏{‏يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 17‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ يكون مع النفخة الأولى، قال‏:‏ ويحتمل أن تكون الساعة عبارة عن أهوال يوم القيامة، كما في قوله‏:‏ ‏{‏مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 214‏]‏‏.‏ ومعنى ‏{‏وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا‏}‏‏:‏ أنها تلقي جنينها لغير تمام من شدّة الهول، كما أن المرضعة تترك ولدها بغير رضاع لذلك ‏{‏وَتَرَى الناس سكارى‏}‏ قرأ الجمهور بفتح التاء والراء خطاب لكل واحد، أي يراهم الرائي كأنهم سكارى ‏{‏وَمَا هُم بسكارى‏}‏ حقيقة، قرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏"‏ سكرى ‏"‏ بغير ألف، وقرأ الباقون بإثباتها وهما لغتان يجمع بهما سكران، مثل كسلى وكسالى، ولما نفى سبحانه عنهم السكر أوضح السبب الذي لأجله شابهوا السكارى فقال‏:‏ ‏{‏ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ‏}‏ فبسبب هذه الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم، واضطربت أفهامهم فصاروا كالسكارى، بجامع سلب كمال التمييز وصحة الإدراك‏.‏

وقرئ‏:‏ «وترى» بضم التاء وفتح الراء مسنداً إلى المخاطب من أرأيتك أي‏:‏ تظنهم سكارى‏.‏ قال الفراء‏:‏ ولهذه القراءة وجه جيد في العربية‏.‏

ثم لما أراد سبحانه أن يحتجّ على منكري البعث قدّم قبل ذلك مقدّمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ وقد تقدّم إعراب مثل هذا التركيب في قوله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 8‏]‏‏.‏ ومعنى ‏{‏فِي الله‏}‏‏:‏ في شأن الله وقدرته، ومحل ‏{‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ النصب على الحال‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه يخاصم في قدرة الله، فيزعم أنه غير قادر على البعث بغير علم يعلمه، ولا حجة يدلي بها ‏{‏وَيَتَّبِعْ‏}‏ فيما يقوله ويتعاطاه ويحتجّ به ويجادل عنه ‏{‏كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ‏}‏ أي متمرّد على الله وهو العاتي، سمي بذلك لخلّوه عن كل خير، والمراد‏:‏ إبليس وجنوده، أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر‏.‏ وقال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ نزلت في النضر بن الحارث وكان كثير الجدال، وكان ينكر أن الله يقدر على إحياء الأموات‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة‏.‏

‏{‏كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ‏}‏ أي كتب على الشيطان؛ وفاعل كتب‏:‏ أنه من تولاه، والضمير للشأن، أي من اتخذه ولياً ‏{‏فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ‏}‏ أي‏:‏ فشأن الشيطان أن يضله عن طريق الحقّ، فقوله أنه يضله جواب الشرط إن جعلت من شرطية أو خبر الموصول إن جعلت موصولة، فقد وصف الشيطان بوصفين‏:‏ الأوّل أنه مريد، والثاني ما أفاده جملة كتب عليه إلخ، وجملة ‏{‏وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير‏}‏ معطوفة على جملة يضله أي‏:‏ يحمله على مباشرة ما يصير به في عذاب السعير‏.‏

ثم ذكر سبحانه ما هو المقصود من الاحتجاج على الكفار بعد فراغه من تلك المقدّمة، فقال‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ البعث‏}‏ قرأ الحسن‏:‏ «البعث» بفتح العين وهي لغة، وقرأ الجمهور بالسكون، وشكهم يحتمل أن يكون في وقوعه أو في إمكانه‏.‏ والمعنى‏:‏ إن كنتم في شكّ من الإعادة فانظروا في مبدأ خلقكم، أي خلق أبيكم آدم، ليزول عنكم الريب، ويرتفع الشكّ وتدحض الشبهة الباطلة ‏{‏فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ‏}‏ في ضمن خلق أبيكم آدم «ثُمَّ» خلقناكم ‏{‏مِن نُّطْفَةٍ‏}‏ أي من منيّ، سمي نطفة لقلته، والنطفة‏:‏ القليل من الماء‏.‏ وقد يقع على الكثير منه، والنطفة‏:‏ القطرة، يقال‏:‏ نطف ينطف، أي قطر‏.‏ وليلة نطوف، أي دائمة القطر ‏{‏ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ‏}‏ والعلقة‏:‏ الدم الجامد، والعلق‏:‏ الدم العبيط، أي الطريّ أو المتجمد، وقيل‏:‏ الشديد الحمرة‏.‏

والمراد‏:‏ الدم الجامد المتكوّن من المنيّ ‏{‏ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ‏}‏ وهي القطعة من اللحم، قدر ما يمضغ الماضغ تتكوّن من العلقة ‏{‏مُّخَلَّقَةٍ‏}‏ بالجرّ صفة لمضغة، أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير ‏{‏وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ‏}‏ أي‏:‏ لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها‏.‏ قال ابن الأعرابي‏:‏ مخلقة يريد قد بدأ خلقه، وغير مخلقة‏:‏ لم تصوّر‏.‏ قال الأكثر‏:‏ ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام، وما سقط؛ كان غير مخلقة أي غير حيّ بإكمال خلقته بالروح‏.‏ قال الفراء‏:‏ مخلقة‏:‏ تامّ الخلق، وغير مخلقة‏:‏ السقط، ومنه قول الشاعر‏:‏

أفي غير المخلقة البكاء *** فأين الحزم ويحك والحياء

واللام في ‏{‏لّنُبَيّنَ لَكُمْ‏}‏ متعلق بخلقنا، أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم ‏{‏وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَاء‏}‏ روى أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم أنه قرأ بنصب نقرّ عطفاً على نبين، وقرأ الجمهور‏:‏ «تقر» بالرفع على الاستئناف، أي ونحن نقرّ‏.‏ قال الزجاج‏:‏ نقرّ بالرفع لا غير، لأنه ليس المعنى فعلنا ذلك لنقرّ في الأرحام ما نشاء‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ ونثبت في الأرحام ما نشاء فلا يكون سقطاً ‏{‏إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ وهو وقت الولادة، وقال ما نشاء، ولم يقل‏:‏ من نشاء، لأنه يرجع إلى الحمل وهو جماد قبل أن ينفخ فيه الروح، وقرئ «ليبين» «ويقرّ» و«يخرجكم» بالتحتية في الأفعال الثلاثة، وقرأ ابن أبي وثاب‏:‏ «ما نشاء» بكسر النون ‏{‏ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً‏}‏ أي نخرجكم من بطون أمهاتكم طفلاً، أي أطفالاً، وإنما أفرده إرادة للجنس الشامل للواحد والمتعدد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ طفلاً في معنى أطفالاً، ودلّ عليه ذكر الجماعة‏:‏ يعني في‏:‏ نخرجكم، والعرب كثيراً ما تطلق اسم الواحد على الجماعة، ومنه قول الشاعر‏:‏

يلحينني من حبها ويلمنني *** إن العواذل لسن لي بأمير

وقال المبرد‏:‏ هو اسم يستعمل مصدراً كالرضا والعدل، فيقع على الواحد والجمع، قال الله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ هو منصوب على التمييز كقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْء مّنْهُ نَفْساً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 4‏]‏‏.‏ وفيه بعد، والظاهر انتصابه على الحال بالتأويل المذكور، والطفل يطلق على الصغير من وقت انفصاله إلى البلوغ ‏{‏ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ‏}‏ قيل‏:‏ هو علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة له، كأنه قيل‏:‏ نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا إلى الأشدّ‏.‏ وقيل‏:‏ إن ثم زائدة والتقدير‏:‏ لتبلغوا وقيل‏:‏ إنه معطوف على نبين‏.‏ والأشدّ هو‏:‏ كمال العقل وكمال القوّة والتمييز‏.‏ قيل‏:‏ وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين‏.‏ وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في الأنعام ‏{‏وَمِنكُمْ مَّن يتوفى‏}‏ يعني‏:‏ قبل بلوغ الأشدّ، وقرئ «يتوفّى» مبنياً للفاعل‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ «يتوفى» مبنياً للمفعول ‏{‏وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر‏}‏ أي أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل، ولهذا قال سبحانه‏:‏ ‏{‏لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً‏}‏ أي شيئاً من الأشياء، أو شيئاً من العلم، والمعنى‏:‏ أنه يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء وفهم لها، لا علم له ولا فهم، ومثله قوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين‏}‏ ‏[‏التين‏:‏ 4، 5‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّسْهُ فِى الخلق‏}‏ ‏[‏ياس‏:‏ 68‏]‏‏.‏ ‏{‏وَتَرَى الأرض هَامِدَةً‏}‏ هذه حجة أخرى على البعث، فإنه سبحانه احتج بإحياء الأرض بإنزال الماء على إحياء الأموات، والهامدة‏:‏ اليابسة التي لا تنبت شيئاً، قال ابن قتيبة‏:‏ أي ميتة يابسة كالنار إذا طفئت‏.‏ وقيل‏:‏ دارسة، والهمود‏:‏ الدروس، ومنه قول الأعشى‏:‏

قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً *** وأرى ثيابك باليات همودا

وقيل‏:‏ هي التي ذهب عنها الندى‏.‏ وقيل‏:‏ هالكة، ومعاني هذه الأقوال متقاربة ‏{‏فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ‏}‏ المراد بالماء هنا‏:‏ المطر، ومعنى‏:‏ اهتزّت‏:‏ تحركت‏.‏ والاهتزاز‏:‏ شدّة الحركة، يقال‏:‏ هززت الشيء فاهتزّ، أي حركته فتحرك، والمعنى‏:‏ تحركت بالنبات؛ لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة حقيقة، فسماه اهتزازاً مجازاً‏.‏ وقال المبرد‏:‏ المعنى‏:‏ اهتزّ نباتها فحذف المضاف‏.‏ واهتزازه شدة حركته، والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض‏.‏ ومعنى ربت‏:‏ ارتفعت، وقيل‏:‏ انتفخت‏.‏ والمعنى واحد، وأصله‏:‏ الزيادة، يقال‏:‏ ربا الشيء يربو ربواً‏:‏ إذا زاد، ومنه الربا والربوة‏.‏ وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن إلياس‏:‏ «وربأت» أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الرابية، وهو الذي يحفظ القوم على مكان مشرف يقال له‏:‏ رابئ ورابئة وربيئة ‏{‏وَأَنبَتَتْ‏}‏ أي أخرجت ‏{‏مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ‏}‏ أي من كلّ صنف حسن ولون مستحسن، والبهجة‏:‏ الحسن‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق‏}‏ مستأنفة، لما ذكر افتقار الموجودات إليه سبحانه وتسخيرها على وفق إرادته واقتداره‏.‏ قال بعد ذلك هذه المقالات، وهي إثبات أنه سبحانه الحق، وأنه المتفرد بإحياء الموتى، وأنه قادر على كل شيء من الأشياء، والمعنى‏:‏ أنه المتفرد بهذه الأمور، وأنها من شأنه لا يدّعي غيره أنه يقدر على شيء منها، فدلّ سبحانه بهذا على أنه الحق الحقيقي الغني المطلق؛ وأن وجود كل موجود مستفاد منه، والحق هو الموجود الذي لا يتغير ولا يزول‏.‏ وقيل‏:‏ ذو الحقّ على عباده‏.‏ وقيل‏:‏ الحقّ في أفعاله‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ في موضع رفع، أي الأمر ما وصفه لكم وبيّن بأن الله هو الحق‏.‏ قال‏:‏ ويجوز أن يكون ‏{‏ذلك‏}‏ نصباً‏.‏

ثم أخبر سبحانه بأن ‏{‏الساعة ءَاتِيَةٌ‏}‏ أي في مستقبل الزمان، قيل‏:‏ لا بدّ من إضمار فعل، أي ولتعلموا أن الساعة آتية ‏{‏لاَ رَيْبَ فِيهَا‏}‏ أي لا شك فيها ولا تردّد، وجملة‏:‏ ‏{‏لاَ رَيْبَ فِيهَا‏}‏ خبر ثانٍ للساعة، أو في محل نصب على الحال‏.‏

ثم أخبر سبحانه عن البعث فقال‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي القبور‏}‏ فيجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، وأن ذلك كائن لا محالة‏.‏

وقد أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن الحسن وغيره عن عمران بن حصين قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْء عَظِيمٌ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ‏}‏ أنزلت عليه هذه وهو في سفر، فقال‏:‏ «أتدرون أيّ يوم ذلك‏؟‏» قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ «ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار، قال‏:‏ يا ربّ وما بعث النار‏؟‏ قال‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة»، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «قاربوا وسدّدوا وأبشروا، فإنها لم تكن نبوّة قط إلا كان بين يديها جاهلية فتؤخذ العدّة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير»، ثم قال‏:‏ «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» فكبّروا، ثم قال‏:‏ «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّروا، ثم قال‏:‏ «إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» فكبّروا، قال‏:‏ «ولا أدري قال الثلثين أم لا» وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر عن عمران بن حصين مرفوعاً نحوه، وقال في آخره‏:‏ «اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه‏:‏ يأجوج ومأجوج، ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس»، فسري عن القوم بعض الذي يجدون، قال‏:‏ «اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة» وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس مرفوعاً نحوه أيضاً‏.‏ وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وفي آخره فقال‏:‏ «من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد، وهل أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود»

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْهِ‏}‏ قال‏:‏ كتب على الشيطان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله‏:‏ ‏{‏أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ‏}‏ قال‏:‏ اتبعه‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود قال‏:‏ حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق‏:‏ «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات‏:‏ بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وصححه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ‏}‏ قال‏:‏ المخلقة ما كان حياً، وغير المخلقة ما كان سقطاً‏.‏ وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ‏}‏ قال‏:‏ حسن‏.‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن معاذ بن جبل قال‏:‏ من علم أن الله عزّ وجلّ حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؛ دخل الجنة‏.‏